محمد الريشهري
34
نبي الرحمة من منظار القرآن وأهل البيت
ثمّ أعطاني مفتاح ذلك البيت الصغير السابق الذكر وطلب منّي أن أفتح الصندوق الفلاني وأن آتي له بالكتاب الفلاني ، ففعلت ذلك ، وأتيت له بالكتابين ، وإذا بهما مكتوبان بالخطّين اليوناني والسرياني قبل ظهور خاتم الأنبياء بالقلم على الجلد ، وإذا بهما ، وإذا بكلمة فارقليطا مترجمة فيهما إلى أحمد ومحمّد ! ثمّ قال : بنيّ الروحي ، اعلم أنّ العلماء والمفسّرين والمترجمين المسيح لم يكونوا مختلفين قبل ظهور محمّد صلى اللّه عليه وآله في أنّها تعني أحمد ومحمّد ، ولكن حضرات القسيسين
--> متى يظهر روح القدس ؟ ! إذا أخذنا بنظر الاعتبار الآيات المذكورة والتفسير الّذي قدّمه القساوسة للمسلّي ، فإنّ هناك سؤالًا يطرح نفسه : إذا ما أعطيت الحياة الإلهيّة الّتي تجسّمت حسب اعتقاد المسيحيين على شكل روح القدس ، بعد موت عيسى ( كما تشير إلى هذا المعنى الآية 17 من الباب 16 من إنجيل يوحنا على ما يرى المسيحيون ) ، فمن كانت إذن الروح الّتي ذهبت بعيسى إلى الصحراء كي يمتحنها إبليس ( إنجيل متى الباب الرابع ) ؟ وهل سيكون الأقنوم الأوّل ، أي ذات الربّ بدون روح حتّى ذلك الوقت ؟ ! ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما يقوله الإنجيل : قال تلامذة عيسى له : إنّك ملأتنا بروح القدس ، فإنّ ممّا يستحقّ السؤال أن يسأل التلامذة عيسى : أنت نفسك روح وقد ملأتنا بروح القدس وقد اكتسبنا القدرة بقوّة روح القدس على محاربة الأرواح الخبيثة ، فما هي هذه الروح الّتي تعدنا بمجيئها ؟ وما معنى أن توصينا مسبقا بالإيمان بها ؟ ! إنّ من العجيب أنّهم لم يقولوا لعيسى عليهالسلام : إن لم نمتلئ بروح القدس ولم نؤمن بها ، فلماذا أصبحنا المفتاح في الملكوت ؟ ! وإذا كان المراد من روح القدس الملك الحامل للوحي والرسالة السماوية والواسطة بين اللّه والنبيّ والّذي يأتي بالوحي للأنبياء دائما ، وإذا كان قدوم روح القدس ذاك مرتبطا برحيل عيسى ومن المحال أن يأتي مع وجود المسيح ، فإنّ كون ذلك الرجل العظيم نبيّا سيكون محالًا أيضا ! عذر أسوأ من الذنب يقول القسيس الألماني باباس فندر في الصفحة 189 من كتاب ميزان الحقّ : ليس المراد من نزول روح القدس الّذي وعد به السيّد المسيح الحواريين ، نزوله كي يقال : إنّ روح القدس كان ملازما له ، بل المراد هو نزول خاصّ لم يحدث قبل الحواريّين لأحد من الأنبياء بتلك القوّة والكمال ، واستنادا إلى هذا الأصل فقد كان مقام نبوّة الحواريّين أفضل وأكمل حتّى من عموم الأنبياء السابقين ، بل إنّهم يتمتّعون بمقام شريف حتّى بالنسبة إلى سيّدنا عيسى عليهالسلام نفسه ! ما حاجتنا إلى روح القدس ؟ ومع ذلك فإنّ ممّا يثير التساؤل أن يقول التلامذة لعيسى عليهالسلام : إنّك ابن اللّه ، بل أنت اللّه نفسه ! وقد تجلّيت بالجسم البشري كي تغمر عبادك بالرأفة والمحبّة واللطف والعناية ! فلماذا لا تغمر عبادك أكثر بالألطاف والعنايات الربّانية ، ولماذا لا تهديهم إلى جميع أعمال الخير ، بل توكل هذا اللطف والمحبّة إلى روح القدس في حين إنّك نفسك ستبعث روح القدس كي يكون بيننا دائما . إنّ ذلك ليس إلّا البشارة الصريحة بمجيء النبيّ الّذي سيأتي بدين عيسى بزيادة ملفتة للنظر والاهتمام ؛ لأنّ السيّد المسيح قال : سوف يمنحكم كلّ شيء ويذكّركم بما قلته لكم المسيحيّة الحقيقية ( الآية 15 ، الباب 14 ، إنجيل يوحنّا ) وشواهد أخرى كثيرة ، وسوف نذكر كيفية تفسير بارقليطا بشكل مفصّل ومستدلّ في قسم البشارات ( الجزء الثاني ) إن شاء اللّه .